الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي
43
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن
قال المفسرون في بيان مناسبة هذه الآيات لما قبلها : أن اللّه تعالى أمر بالعبادات في أول السورة ، حيث قال جل ذكره : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ [ المؤمنون : 1 ، 2 ] ، إلى قوله تعالى : الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ [ المؤمنون : 11 ] ، ولما كان الاشتغال بعبادة اللّه لا يصح إلا بعد معرفته سبحانه ، عقبها بذكر ما يدل على وجوده ، واتصافه بعنوان الجلال والكمال ، فذكر الاستدلال بتقلب الإنسان في أدوار الخلقة ، وأدوار الفطرة . فقال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ، أي آدم مِنْ سُلالَةٍ ، أي خلاصة مِنْ طِينٍ [ المؤمنون : 12 ] « 1 » ثُمَّ جَعَلْناهُ ، أي نسله ، فحذف المضاف ، نُطْفَةً ، أي منيا من الصلب والترائب فِي قَرارٍ مَكِينٍ [ المؤمنون : 13 ] ، وهو الرحم ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ، أي صيرنا النطفة البيضاء علقة ، أي قطعة دم حمراء ، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ، أي صيرنا قطعة الدم الحمراء قطعة لحم قدر ما يمضغ ، لا شكل فيها ولا تخطيط ، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً ، أي جعلناها عظاما من رأس ورجلين وما بينهما ، يعنى أصبحت ذات شكل مخصوص ، ووضع معين ، فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ، أي كسونا بما لنا من قوة الاختراع تلك العظام لحما بما ولدنا منها ترجيعا لحالها قبل كونها عظاما ، وقويناها وشددناها بالروابط والأعصاب ، ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [ المؤمنون : 14 ] ، مباينا للخلق الأول مباينة ما أبعدها ، حيث جعله حيوانا وكان جمادا ، وناطقا وكان أبكم ، وسميعا وكان أصم ، وبصيرا وكان أكمه ، وأودع ظاهره وباطنه ، بل كل عضو من أعضائه ، وكل جزء من أجزائه ، عجائب وغرائب لا تدرك بوصف الواصف ، ولا تبلغ بشرح الشارح . وإذا كان لنا أن نتكلم عن تفاوت العطف بالفاء وثم ، فإنا نقول : إن المعطوف بكلمة « ثم » مستبعد حصوله مما قبله ، وهو المعطوف عليه ، فجعل هذا الاستبعاد عقلا أو رتبة بمنزلة التراخي والبعد الحسّى ؛ لأن حصول النطفة من أجزاء ترابية غريب ، وكذا جعل النطفة البيضاء دما أحمر ، وهذا بخلاف جعل الدم لحما ، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً [ المؤمنون : 14 ] ، وبخلاف تصليب المضغة وجعلها عظاما المنبئ عنه قوله تعالى : فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً ، وكذا مد اللحم على العظم ليستره ، المصرح به في قوله
--> ( 1 ) من العلماء من يرى أن المراد بالإنسان بنو آدم ، وخلقهم من سلالة من طين ، أي خلاصة من الأغذية التي مصدرها التربة .